~ منتديات الرحمة والمغفرة ~
. منتديات الرحمة والمغفرة على منهج اهل السنة والجماعة

: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله )

نداء إلى أنصار رسول الله " صلى الله عليه وسلم "أنضم الينا لنصرة رسولنا من خلال منتدى الرحمة والمغفرة

. لزوارنا الاعزاء ومن يرغب بالتسجيل بمنتدانا ... بادر وسجل نفسك بالمنتدى لنشر الإسلام

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم,

~ منتديات الرحمة والمغفرة ~

~ معاً نتعايش بالرحمة ~
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتقناة الرحمة والمغفرة يوتيوبفيس بوكتويترمركز تحميل للصورالتسجيلدخول
منتديات الرحمة والمغفرة على منهج اهل السنة والجماعة
( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله ) . نداء إلى أنصار رسول الله "صلى الله عليه وسلم "أنضم الينا لنصرة رسولنا من خلال منتديات " الرحمة والمغفرة ". لزوارنا الاعزاء ومن يرغب بالتسجيل بمنتدانا . بادر وسجل نفسك بالمنتدى لنشرالإسلام .مديرة الموقع / نبيلة محمود خليل


تنويه .. لكل الأعضاء : على كل من يرغب فى عمل موضوع مشترك بينه وبين أى عضو من الأعضاء .. عليه أن يخبره فقط فى قسم حوار مفتوح بين الأدارة والأعضاء .. وقد تم تحديد يوم الجمعه فقط  للردود على الموضوعات  التى لم يرد عليها .. وأيضا الردود على الموضوعات القديمه .. شكرا

أعلان ... أرجو من الأعضاء الألتزم بوضع موضوع وأحد فقط فى كل قسم حتى نستطيع قرأتها بتمعن - موضوع واحد يقرأ أفضل من عدة مواضيع لا تقرأ - أشكركم


المواضيع الأخيرة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
مشروع تحفيظ القران
 
تلفزيون الرحمة والمغفرة
نشرة اخبار منتدى الرحمة واالمغفرة
توك توك منتديات الرحمة والمغفرة

كاميرا منتديات الرحمة والمغفرة



شركة طيران منتديات الرحمة والمغفرة

أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع
نبيلة محمود خليل
 
alfalah
 
كلمة حق
 
عزمي ابراهيم عزيز
 
المواضيع الأكثر نشاطاً
مع كل إشراقة شمس ^ بصبح عليك^ مع وعد الله ونبيلة محمود خليل ^ حصرياً
مشروع حفظ القرآن والتجويد"مع نبيلة محمود خليل"" حصرى"
^ من اليوم أنتهى عهد نبيل خليل ^ أدخل وشوف مطعم منتديات الرحمة والمغفرة مع نبيلة ونبيل ^
تليفزيون منتديات الرحمة والمغفرة يقدم لكم "برنامج الوصول إلى مرضات الله " مع نبيلة محمود خليل" كلمة حق"
بريد منتديات الرحمة والمغفرة ^ ظرف جواب ^ مع نبيلة محمود خليل وكلمة حق ^ حصرياً
^ نشرة أخبار منتديات" الرحمة والمغفرة " مع نبيلة محمود خليل"حصرياً "
* كلمة للتاريخ * مع نبيلة محمود خليل ود / محمد بغدادى * حصرى
^ كاميرا منتديات الرحمة والمغفرة ^ إبتسامة كاميرا ^ مع نبيلة محمود خليل وكلمة حق ^ حصرياً ^
^^ دورة التبسيط فى دقائق علم التجويد ^^
,, قلوب حائرة ,, وقضايا شبابية متجدد ,, مع نبيلة محمود خليل ونبيل خليل ,,

شاطر | 
 

 اللباب في علوم الكتاب سورة البقرة ( متجدد )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبوجهاد
عضو ذهبى
عضو ذهبى


وسام التميز لونه طوبى
العمر : 47
الدولة : مصر الحبيبة
ذكر الجدي النمر
عدد المساهمات : 1133
نقاط : 2247
تاريخ الميلاد : 20/01/1963
تاريخ التسجيل : 24/01/2010
العمر : 53
العمل/الترفيه : طالب علم
تعاليق : رب اغفر لي ولوالدي والمؤمنين

مُساهمةموضوع: اللباب في علوم الكتاب سورة البقرة ( متجدد )   السبت ديسمبر 04, 2010 7:05 pm


سورة البقرة
مدنية
مائتان وستة وثمانون آية نزلت في مُدَد شتى .
وقيل : هي أول سورة نزلت ب " المدينة " إلا قوله تعالى : ( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ( [ البقرة : 281 ] فإنها آخر آية نزلت ، ونزلت يوم النحر في حَجّة الوداع ب " منى " ، وآيات الرِّبا أيضاً من أواخر ما نزل من القرآن .
قال خالد بن معدان : ويقال لها : فُسطاط القرآن .
وتعلمها عمر - رضي الله عنه - بفقهها ، وما تحتوي عليه في اثني عشرة سنة ، وابنه عبد الله في ثماني سنين .
قال ابن العربي رضي الله عنه : " سمعت بعض أشياخي يقول : فيها ألف أَمْر ، وألف نَهْي ، وألف حُكْم ، وألف خَبَر " .
وهي مائتان وستة وثمانون آيةً ، وستة آلاف ومائة وإحدى وعشرون كلمةً ، وخمسة وعشرون ألفاً وخمسمائة حرف . عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن لكل شيء سَنَاماً وإنِّ سَنَام القرآن سورةُ البقرة ، من قَرَأَهَا في بيته نَهَاراً لم يدخله شَيْطَانٌ ثلاثةَ أيامٍ ، ومن قرأها في بيته ليلاً لم يدخله شيطانٌ ثلاثَ ليالٍ " .
" " صفحة رقم 251 " "
وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال : بعث النبي - ( صلى الله عليه وسلم ) - بعثا ثم أتبعهم بسفر ، فجاء إنسان منهم فقال : " ما معك من القرآن ؟ " حتى اتى على أحدثهم سنا فقال له : " ما معك من القرآن ؟ " قال : كذا وكذا ، وسورة البقرة فقال : " اخرجوا وهذا عليكم أمير " فقالوا : يا رسول الله هو أحدثنا فقال : " معه سورة البقرة " .
بسم الله الرحمن الرحيم
( الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (
إن قيل : إن الحروف المقطّعة في أوائل السور أسماء حروف التهجَّي ، بمعنى أن الميم اسم ل " مه " والعين ل " عَه " ، وإن فائدتها إعلامهم بأن هذا القرآن منتظمٌ من جنس ما تنتظمون من كلامهم ، ولكن عجزتم عنه ، فلا محلّ لها حينئذ من الإعراب ، وإنما جيء بها لهذه الفائدة ، فألقيت كأسماء الأعداد ونحو : " واحد اثنان " ، وهذا أصح الأقوال الثلاثة ، أعني أن في الأسماء التي لم يقصد الإخبار عنها ولا بها ثلاثة أقوال :
أحدها : ما تقدم .
والثاني : أنها معربة ، بمعنى أنها صالحة للإعراب ، وإنما فات شرطه وهو التركيب ، وإليه مال الزمخشري رحمه الله .
والثالث : أنها موقوفة أي لا معربة ولا منيبةٌ .
أو إن قيل : إنها أسماء السور المفتتحة بها ، أو إنها بعض أسماء الله - تعالى - حذف بعضها ، وبقي منها هذه الحروف دالّة عليها وهو رأي ابن عبّاس - رضي الله تعالى عنهما - كقوله : الميم من " عليهم " ، والصاد من " صادق " ، فلها حينئذ محلّ من الإعراب ويحتمل الرفع والنصب والجر : فالرفع على أحد وجهين أيضاً : إما بإضمار فعلٍ لائقٍ ، تقديره : اقرءوا : " الم " ، وإما بإسقاط حرف القسم ؛ كقول الشاعر : [ الوافر ]
97 - إِذا مَا الْخَبَزُ تَأْدِمُهُ بِلَحْمٍ
فَذَاكَ أَمَانَةَ اللهِ الثَّريدُ
" " صفحة رقم 252 " "
يريد : وأَمَانَةِ الله .
وكذلك هذه الحروف أقسم الله بها .
وقد رد الزَّمَخْشَرِيّ هذا الوجه بما معناه : أنّ القرآن في : ( وَالْقُرْآنِ ذِى لذِّكْرِ ( [ ص : 1 ] وللقلم في ) ن اوَ الْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ( [ القلم : 1 ] محلوف بهما لظهور الجرّ فيهما ، وحينئذ لا يخلو أن تُجْعَل الواو الداخلة عليها للقسم ، أو للعطف ، والأول يلزم منه محذور ، وهو الجمع بين قسمين على مقسم قال : [ وهم يستكرهون ] ذلك .
والثاني ممنوع ، لظهور الجَرِّ فيما بعدها ، والفرض أنك قدرت المعطوف عليه من مَحَلّ نصب ، وهو ردّ واضح ، إلا أن يقال : في محلّ نصب إلا فيما ظهر فيه الجر [ فيما بعده ] كالموضعين المتقدمين ؛ ) حم اوَ الْكِتَابِ ( [ الزخرف : 1 - 2 ] ، و ) ق اوَ الْقُرْآنِ ( [ ق : 1 ] ولكن القائل بذلك لم يفرق بين موضع وموضع ، فالرد لازم كله .
والجَرِّ من وجهٍ واحدٍ ، وهو أنها مقسمٌ بها ، حذف حرف القسم ، وبقي عمله كقولهم : " اللهِ لأفعلنَّ " أجاز ذلك الزمخشري ، وأبو البقاء رحمهما الله ، وهذا ضعيف ؛ لأن ذلك من خصائص الجَلاَلَة المعظمة لا يشاركها فيه غيرها .
فتخلص مما تقدم أن في " الم " ونحوها ستة أوجه وهي : أنها لا محل لها من الإعراب ، أوْ لَهَا محل ، وهو الرفع بالابتداء ، أو الخبر .
والنَّصب بإضمار فعل ، أو حذف حرف القسم .
" " صفحة رقم 253 " "
فصل في الحروف المقطعة
سئل الشعبي - رحمه الله تعالى - عن هذه الحروف فقال : سرّ الله ، فلا تطلبوه .
وروى أبو ظِبْيَانَ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : عجزت العلماء عن إدْرَاكِهَا ، وقال الشعبي وجماعة رحمهم الله سائر حروف التهجّي في أوائل السور من المتشابهة الذي استأثر الله بعلمه ، وهي سرّ القرآن ؛ فنحن نؤمن بظاهرها ، ونَكِلُ العلمَ فيها إلى الله تعالى .
قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه : " في كل كتاب سِرّ " وسرُّ الله - تعالى - في القرآن أوائل السور " .
ونقل ابنُ الخَطِيِبِ رحمه الله أن المتكلمين أنكروا هذا القول ، وقالوا : لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما لاَ يَكُونُ مفهوماً للخلق ، واحتجوا عليه بآيات منها :
قوله تبارك وتعالى : ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ ( [ محمد : 24 ] بالتدَّبر في القرآن ، ولو كان غير مفهوم ، فكيف يأمر بالتدبّر فيه .
" " صفحة رقم 254 " "
وكذا قوله ) أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ( [ النساء : 82 ] فكيف يأمر بالتدبر لمعرفة نفي التناقض والاختلاف ، وهو غير مفهوم للخلق ؟
ومنها قوله تعالى : ( نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ( [ الشعراء : 193 - 195 ] ، فلو لم يكن مفهوما بطل كون الرسول - عليه السلام - منذرا به ، وأيضا قوله : ( بلسان عربي مبين ( يدل على أنه نازل بلغة العرب ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون مفهوما .
ومنها قوله تعالى : ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ( [ النساء : 83 ] ، والاستنباط منه لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه .
ومنها قوله تعالى : ( تبيينا لكل شيء ( [ النحل : 89 ] .
وقوله تعالى : ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ( [ الأنعام : 38 ] .
وقوله تعالى : ( هدى للناس ( [ البقرة : 185 ] ، ) هدى للمتقين ( [ البقرة : 2 ] ، وغير المعلوم لا يكون هدى .
وقوله تعالى : ( وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ( [ يونس : 57 ] وكل هذه الصفات لا تحصر في غير المعلوم .
وقوله تبارك وتعالى : ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ( [ المائدة : 15 ] .
وقوله تعالى : ( أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون ( [ العنكبوت : 51 ] فكيف يكون الكتاب كافيا وكيف يكون ذكره مع أنه غير مفهوم ؟
وقوله تعالى : ( هذا بلاغ للناس ولينذروا به ( [ إبراهيم : 52 ] ، فكيف يكون بلاغا ؟ وكيف يقع به الإنذار مع أنه غير معلوم ؟
وقال في آخر الآية : ( ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب ) ، وإنما يكون كذلك لو كان معلوما .
وقوله تعالى : ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ( [ الإسراء : 9 ] فكيف يكون هاديا ، مع أنه غير معلوم ، ومن الأخبار قوله عليه الصلاة والسلام : " إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي " فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم ؟
وعن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - أنه - عليه الصلاة والسلام - قال :
" " صفحة رقم 255 " "
" عليكم بكتاب الله - فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر من بعدكم ، وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله تعالى . ومن اتبع الهدى في غيره أضله الله - تعالى - هو حبل الله المتين ، والذكر الحكيم ، والصراط المستقيم ، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تشبع به العلماء ، ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن خاصم به فلج ، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم " .
ومن المعقول أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العلم إلا به لكانت المخاطبة به نحو مخاطبة العرب باللغة الزنجية ، ولما لم يجز ذلك فكذا هذا .
وأيضا المقصود من الكلام الإفهام ، فلو لم يكن مفهوما لكانت المخاطبة عبثا وسفها ، وهو لا يليق بالحكيم .
وأيضا أن التحدي وقع بالقرآن ، وما لا يكون معلوما لا يجوز وقوع التحدي به .
واحتج مخالفوهم بالآية ، والخبر ، والمعقول .
أما الآية فهو أن المتشابه من القرآن ، وأنه غير معلوم ؛ لقوله تعالى : ( وما يعلم تأويله إلا الله ( [ آل عمران : 7 ] والوقف ها هنا ، لوجوه :
أحدها : أن قوله تعالى : " والراسخون في العلم " لو كان معطوفا على قوله تعالى " إلا الله " لبقي قوله : " يقولون آمنا به " منقطعا عنه ، وإنه غير جائز ؛ لأنه لا يقال : إنه حال ، لأنا نقول : فحينئذ يرجع إلى كل ما تقدم ، فيلزم أن يكون الله تعالى قائلا : ( يقولون آمنا به كل من عند ربنا ( وهذا كفر .
وثانيها : أن الراسخين في العلم لو كانوا عالمين بتأويله لما كان لتخصيصهم بالإيمان به وجه ، فإنهم لما عرفوه بالدلالة لم يكن الإيمان به إلا كالإيمان بالمحكم ، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح .
وثالثها : أن تأويلها كان مما يجب أن يعلم لما كان طلب ذلك التأويل ذما ، لكن قد جعله ذما حيث قال : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ( [ آل عمران : 7 ] وأما الخبر فروي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال : " إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله تعالى فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بالله " .
" " صفحة رقم 256 " "
ولأن القول بأن هذه الفَوَاتح غير معلومة مروي عن أكابر الصَّحابة رضي الله عنهم فوجب أن يكون حقَّاً ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " أَصْحَابي كالنُّجُوم بأيّهم اقْتَدَيْتُمْ اهتديتم " . وأما المعقول فهو أنَّ الأفعال التي كلّفنا الله تعالى بها قسمان : منها ما يعرف وَجْهَ الحكمة فيه على الجُمْلَة بعقولنا كأفعال الحَجِّ في رَمْيِ الجَمَرَات ، والسَّعي بين الصفا والمروة ، والرَّمل ، والاضْطِبَاع .
ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الله - تعالى - أن يأمر عباده بالنوع الأول ، فكذا يحسن الأمر بالنوع الثاني ؛ لأنّ الطَّاعة في النوع الأول ، تدلُّ على كمال الانقياد والتسليم ، لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وَجْهِ المصلحة فيه .
أما الطاعة في النوع الثاني ، فإِنها تدلّ على كمال الانقياد والتسليم ، فإذا كان الأمر كذلك في الأفعال ، فلم لا يجوز أيضاً أن يكون [ الأمر ] كذلك في الأقوال ؟ وهو أن يأمر الله - تعالى - تارةً أن نتكلم بما نقف على معناه ، وتارةً بما لا نقف على معناه ، ويكون المَقْصُود من ذلك ظهور الانقياد والتَّسليم .
القول الثَّاني : قول من زعم أنَّ هذه الفَوَاتح معلومة ، واختلفوا فيه ، وذكروا وجوهاً :
الأوّل : أنها أسماء السّور ، وهو قول أكثر المتكلمين ، واختيار الخليل وسيبويه رحمهما الله تعالى .
قال القفَّال - رحمه الله تعالى - وقد سّمت العرب هذه الحروف أشياء فسموا ب " لام " : والد حارثة بن لام الطَّائي ، وكقولهم للنَّخاس : " صاد " ، وللنقد : " عين " ، وللسحاب : " غين " .
وقالوا : جبل " قاف " ، وسموا الحوت : " نوناً " .
الثاني : أنها أسماء الله تَعَالى ، روي عن علي - رضي الله تَعَالى عنه - أنه كان يقول : يا حم عسق .
الثالث : أنها أبعاض أسماء الله تَعَالى .
" " صفحة رقم 257 " "
قال سعيد بن جبير رحمه الله : قوله : " الر ، حم ، ونون " مجموعها هو اسم الرحمن ، ولكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في البَوَاقي .
الرابع : أنها أسماء القرآن ، وهو قول الكَلْبِيّ - رحمه الله تعالى - والسّدي وقتادة رضي الله تعالى عنهم . الخامس : أن كلّ واحد كمنها دالّ على اسم من أسماء الله - تعالى - وصفة من صفاته .
قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - في " الم " : " الألف إشارة إلى أنه [ أحد ، أول ، آخر ، أزلي ، " واللام " إشارة إلى أنه لطيف ، " والميم " إشارة إلى أنه ] مَلِك مَجِيد مَنَّان " .
وقال في " كهيعص " : إنه ثناء من الله - تعالى - على نفسه ، " والكاف " يدل على كونه كافياً ، " والهاء " على كونه هادياً ، " والعين " على العالم ، " والصاد " على الصادق . وذكر ابن ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه حمل " الكاف " على الكبير والكريم ، " والياء " على أن الله يجير ، " والعين " على أن الله العزيز والعدل .
والفرق بين هذين الوجهين أنه في الأول خصّص على كل واحد من هذه الحروف باسم معين ، وفي الثاني ليس كذلك .
السادس : بعضها يدلّ على أسماء الذات ، وبعضها على أسماء الصّفات .
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في " الم " أنا الله أعلم ، وفي " المص " أنا الله أفصل ، وفي " الر " أنا الله أرى ، وهذه رواية أبي صالح ، وسعيد بن جبير عنه .
قال الزَّجَّاج : " وهذا أحسن ، فإن العرب تذكر حرفاً من كلمة تريدها كقولهم : [ مشور السريع ]
98 - قُلْنَا لَهَا : قِفِي لَنَا قَالت : قَافْ
. .
" " صفحة رقم 258 " "
وأنشد سيبويه لغيلان : [ الرجز ]
99 - نَادُوهُمْ أَنَ الْجِمُوا ، أَلاَ تَاَ
قَالُوا جَمِعاً كُلُّهُمْ أَلاَ فَا
أي : لا تَرْكَبُوا ، قالوا : بَلَى فَارْكَبُوا .
وأنشد قُطْرب : [ الرجز ]
100 - جَارَيَةٌ قَدْ وَعَدَتْنِي أنْ تَا
تَدْهُنَ رَأْسي وَتُفَلِّيني وَتَا
السّابع : كلّ مها يدلّ على صفات الأفعال ، ف " الألف " آلاؤه ، و " اللاّم " لُطْفه ، و " الميم " مَجْدُه ، قاله محمد بن كَعْبٍ القُرَظي .
الثَّامن : بعضها يدلّ على أسماء الله - تعالى - وبعضها يدلّ على أسماء غير الله تعالى .
قال الضَّحاك : " الألف " من الله ، و " اللم " من جبريل ، و " الميم " من محمد عليه الصلاة والسلام [ أّي أنزل الله الكتاب على لسان جبريل عليه الصَّلاة والسلام ] .
التاسع : ما قاله المبرّد : واختاره جمعٌ عظيم من المحقَّقين - أن الله - تعالى - إنَّما ذكرها احتجاجاً على الكُفَّار ، وذلك أن الرَّسول - عليه الصلاة والسّلام - لما تحدّاهم أن يأتوا بِمِثْلِ القرآن ، أو بِعَشْرِ سُوَرٍ ، أو بسورة ، فعجزوا عنه أنزلت هذه الأحرف تنبيهاً على أن القرآن ليس إلاّ من هذه الأحرف ، وأنتم قادرون عليها ، وعارفون بقوانين الفَصَاحة ، فكان يجب أن تأتوا بِمِثل هذا القرآن ، فلما عجزتم عنه دلّ ذلك على أنه من عِندِ الله لا من البَشَرِ .
العاشر : قول أبي روق وقُطْرب : إن الكفَّار لما قالوا : ( لاَ تَسْمَعُواْ لِهَ اذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ ( [ فصلت : 26 ] وتواصوا بالإعراض عنه أراد الله - تعالى - لما أحب صلاحهم ونفعهم أن يُورِدَ عليهم ما لا يعرفونه ، ليكون ذلك سبباً لإسْكَاتِهم ، واستماعهم لما يرد عليهم من القرآن ، فأنزل الله - تعالى - عليهم هذه الأحرف ، فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين : اسمعوا إلى ما يجيء به محمد عليه الصلاة والسلام ، فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن فكان ذلك سبباً لاستماعهم ، وطريقاً إلى انتفاعهم ، فكان كالتنبيه لما يأتي بعده من الكلام كقوله الأول .
" " صفحة رقم 259 " "
الحادي عشر : قول أبي العَالِيَةِ " إنّ كل حرف منها في مُدّة أعوام وآجال آخرين " .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : " سُرّ أبو ياسِر بن أَخْطَب برسول الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - وهو يَتْلُو سورة البقرة " الم ذَلِكَ الكِتَابُ " ، ثم أتى أخوه حُيَيُّ بن أَخْطَب ، وكَعْب بن الأَشْرَف ، وسألوه عن " الم " وقالوا : ننشدك الله الذي لا إله إلا هو أحقّ أنها أَتَتْكَ من السماء ؟ فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " نعم كذلك نزلت " ، فقال حُيَيّ : إن كنت صادقاً إني لأعلم أَجَلَ هذه الأمة من السنين ، ثم قال : كيف ندخل في دين رجل دلّت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهى أَجَل مُدّته إحدى وسبعون سنةً ، فضحك رسول الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - فقال حُيَيّ : فهل غير هذا ؟ قال : " نعم المص " فقال حُيَيّ : هذا أكثر من الأولى هذه مائة وإحدى وثلاثون سنة ، فهب غير هذا ؟ قال : " نعم الر " قال حُيَيّ : هذه أكثر من الأولى والثانية ، فنحن نشهد إن كنت صادقاً ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنةً ، فهل غير هذا ؟ قال : " نعم " قال : " المر " قال : فنحن نشهد أنا من الذين لا يؤمنون ، ولا ندري بأي أقوال نأخذ .
فقال أبو ياسر : أما أنا فأشهد على أن أنبياءنا قد أخبرونا عم مُلْكِ هذه الأمّة ، ولم يبينوا أنها كم تكون ، فإن كان محمد صادقاً فيما يقول ، إني لأراه يستجمع له هذا كله فقام اليهود ، وقالوا اشتبه علينا أمرك ، فلا ندري أَبِالْقَلِيْلِ نأخذ أم الكثير ؟ فذلك قوله تعالى : ( هُوَ الَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ( [ آل عمران : 7 ] الآية الكريمة .
ورُوي عن ابن عَبَّاس - رضي الله تعالى عنهما - أنا أقسام .
وقال الأخفش : أقسم الله - تعالى - لشرفها وفضلها ؛ لأنها مبادئ كتله المنزلة ، ومباني أسمائه الحسنى .
وقيل فيها غير ذلك .
واعلم أن الله - تعالى - أورد في هذه الفَوَاتح نصف عدد أَسامي حروف المُعْجَم ،
" " صفحة رقم 260 " "
وهي أربعة عشر : الألف ، واللام ، والميم ، والصاد ، والراء ، والكاف ، والهاء ، والعين ، والطاء ، والسين ، والحاء ، والقاف ، والباء ، والنون في تسع وعشرين سورة .
وجاءت أيضاً مختلفة الأعداد ، فوردت " ص ق ن " على حرف .
و " طه وطس ويس وحم " على حرفين . و " الم والر وطسم " على ثلاثة أحرف .
و " كهيعص وحم عسق " على خمية أحرف ، والسبب فيه أن أبنية كلامهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف ، فكذا هاهنا .
قوله : ( ذَلِكَ الْكِتَابُ (
يجوز في " ذلك " أن تكون مبتدأ ثانياً ، و " الكتاب " خبره ، والجملة خبر " الم " ، وأغنى الربط باسم الإشَارة ، ويجوز أن يكون " الم " مبتدأ .
و " ذلك " خبره ، و " الكتاب " صفة ل " ذلك " ، أو بدل منه ، أو عطف بيان ، وأن يكون " الم " نبتدأ ، و " ذلك " مبتدأ ثانٍ ، و " الكتاب " : إما صفة له ، أو بدل منه ، أو عطف بيان له .
و " لا ريب فيه " [ خبر ] عن المبتدأ الثاني ، وهو خبره خبر عن الأول .
ويجوز أن يكون " الم " خبر مبتدأه مضمر ، تقديره : " هذا الم " ، فتكون جملة مستقلة بنفسها ، ويكون " ذلك " مبتدأ ثانياً ، و " الكتاب " خبره .
ويجوز أن يكون صفة له ، أو بدلاً ، أو بياناً ، و " لا ريب فيه " هو الخبر عن " ذلك " أو يكون " الكتاب " خبراً ل " ذلك " ، و " لا ريب فيه " خبر ثان ، وفيه نظر من حيث إنه تعدّد الخبر ، وأحدهما جملة ، لكن الظاهر جوازه ؛ كقوله تعالى : ( فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ( [ طه : 20 ] ، إذا قيل بأن " تسعى " خبر .
وأما إن جُعِلَ صفة فلا .
و " ذلك " اسم إشارة : الاسم منه " ذا " ، و " اللاَّم " للبعد ، و " الكاف " للخطاب ، ولها ثلاث رُتَب :
دُنْيَا : ولها المُجَرّد من اللام والكاف نحو : " ذا وذي " و " هذا وهذي " .
وَوُسْطَى : ولها المتّصل بحرف الخطاب ، نحو " ذاك وذيك وتيك " .
وقُصْوَى : ولها المتّصل ب " اللام " و " الكاف " نحو : " ذلك وتلك " .
" " صفحة رقم 261 " "
ولا يجوز أن تأتي ب " اللام " إلاّ مع " الكاف " ، ويجوز دخول حرف التَّنبيه على سائر أسماء الإشارة إلاّ مع " اللاَّم " ، فيمتنع للطول .
وبعض النحويين لم يذكر إلاّ رتبتين : دُنْيَا وغيرها . واختلف النحويون في " ذا " هل هو ثلاثي الوضع أم أصله حرف واحد ؟
الأول قول البصريين ، ثم اختلفوا على عينه ولامه ياء ، فيكون من باب " حيي " ، أو غينه واو ولامه ياء فيكون من باب " غويت " ثم حذفت لامه تخفيفاً ، وقلبت العين ألفاً لتحركها ، وانفتاح ما قبلها ، وهذا كله على سبيل التّمرين .
وأيَّا فهذا مبني ، والمبني لا يدخله تصريف ، وإنما جيء هنا بإشارة البعيد تعظيماً للمُشَار إليه ومنه : [ الطويل ]
101 - أَقُولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنَهُ
تَأَمَّلْ خُفَافاً إِنَّنِي أنا ذَلِكَا
أو لأنه لما نزل من السَّماء إلى الأرض أشير بإشارة البعيد .
أو لأنه كان موجوداً به بنبيّه عليه الصلاة والسلام .
أو أنه أشير به إلى ما قضاه وقدّره في اللَّوح المحفوظ .
وفي عبارة المفسرين أشير بذلك إلى الغائب يعنون البعيد ، وإلا فالمشار إليه لا يكون إلا حاضراً ذِهْناً أو حِسّاً ، فعبروا عن الحاضر ذِهْناً بالغائب أي حسّا وتحريراً لقول ما ذكرته لك . وقال الأصَمّ وابن كيْسَان : إن الله - تعالى - أنزل قبل سورة " البقرة "
" " صفحة رقم 262 " "
سوراً كذب بها المشركون ، ثم أنزل سورة " البقرة " فقال : " ذلك الكتاب " يعني ما تقدّم " البقرة " من السّور لا شك فيه .
قال ابن الخَطِيب رحمه الله تعالى : سلّمنا أن المُشَار إليه حاضر ، لكن لا نسلّم أن لفظة " ذلك " لا يشار بها إلا إلى البعيد .
بيانه : أن " ذلك " و " هذا " حرف إشارة ، وأصلهما " ذا " لأنه حرف الإشارة ، قال تعالى : ( مَّن ذَا الَّذِي ( لبقرة : 245 ] .
ومعنى " ها " تنبيه ، فإذا قرب الشيء أشير إليه فقيل : هذا ، أي : تَنَبَّهْ أيّها المُخَاطب لما أشرت إليه ، فإنه حاضر معك بحيث تَرَاه ، وقد تدخل " الكاف " على " ذَا " للمخاطبة ، و " اللام " لتأكيد معنى الإشارة ، فقيل : " ذلك " ، فكأن المتكلّم بالغ في التنبيه لتأخّر المُشَار إليه عنه ، فهذا يدلّ على أن لفظة " ذلك " لا تفيد البُعْد في أصل الوَضْع ، بل اختص في العُرْف بالفرس ، وإن كانت في أصل الوضع متناولة لكل ما يدبّ على الأرض .
وإذا ثبت هذا فنقول : إنا نحمله ها هنا على مقتضى الوضع اللّغوي ، لا على مقتضى الوضع العرفي ، وحينئذ لا يفيد البُعْد ، ولأجل هذه المُقَارنة قام كلّ واحد من اللَّفْظَين مقام الآخر .
قال تعالى : ( وَاذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ( [ ص : 45 ] ، إلى قوله : ( وَكُلٌّ مِّنَ الأَخْيَارِ ( [ ص : 48 ] ثم قال : ( هَ اذَا ذِكْرٌ ( [ ص : 49 ] وقال : ( وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ هَ اذَا مَا تُوعَدُونَ ( [ ص : 52 - 53 ] .
وقال : ( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ( [ ق : 19 ] .
وقال تعالى : ( فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُوْلَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى ( [ النازعات : 24 - 25 ] .
وقال تعالى : ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى لزَّبُورِ ( [ الأنبياء : 105 ] وقال تعالى : ( إِنَّ فِي هَ اذَا لَبَلاَغاً ( [ الأنبياء : 106 ] .
وقال : ( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِى للَّهُ الْمَوْتَى ( [ البقرة : 73 ] [ أي هكذا يحيي الموتى ] .
وقال : ( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ى مُوسَى ( [ طه : 18 ] أي ما هذه التي بيمينك .
" " صفحة رقم 263 " "
و " الكتاب " في الأصل مصدر ؛ قال تعالى : ( كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ( [ النساء : 24 ] وقد يراد به المكتوب ، قال الشاعر : [ الطويل ]
102 - بَشَرْتُ عِيَالِي إِذْ رأَيْتُ صَحِيفَةً
أَتَتْكَ مِنَ الحَجَّاجِ يُتْلَى كِتَابُهَا
ومثله [ الوافر ]
103 - تُؤَمِّلُ رَجْعَةً مِنِّي وفِيهاَ
كِتَابٌ مِثْلُ مَا لَصِقَ الْغِرَاءُ
وأصل هذه المادة الدّلالة على الجَمْعِ ، ومنه كتيبة الجَيْش ، وكَتَبْتُ القربة ، وكَتَبْتُ القربة : خَرَزْتُها ، وَالكُتَبة - بضم " الكاف " الخرزة ، والجمع كَتَب ، قال : [ البسيط ]
104 - وَفْرَاءَ غَرْفِيَّةٍ أَثْأَى خَوَارِزُهَا
مُشَلْشِلٌ ضَيَّعَتْهُ بَيْنَهَا الْكُتَبُ
وكَتَبْتُ الدَّابة [ إذا جَمَعْتَ بين شُفْرَي رَحِمِها بِحَلْقَةٍ أَو سَيْرٍ ] قال الشاعر : [ البسيط ]
105 - لاَ تَأْمَنَنَّ فَزَارِيَّا حَلَلْتَ بِهِ
عَلَى قَلُوصِكَ واكتُبْهَا بِإِسْيَارِ
والكتابة عرفاً ضمّ بعض حروف الهجاء إلى بعض .
قال ابن الخطيب : " واتفقوا على أنَّ المراد من الكتاب القرآن ، قال تبارك وتعالى : ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ ( [ ص : 29 ] .
والكتاب جاء في القرآن جاء في القرآن على وجوه :
أحدها : الفرض ) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ( [ البقرة : 178 ] ) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ( [ البقرة : 183 ] ، ) إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى لْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً ( [ النساء : 103 ] .
ثانيها : الحُجَّة والبُرْهان : ( فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ( [ الصافات : 157 ] أي : بِبُرْهانكم وحجّتكم .
ثالثها : الأَجَل : ( وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ ( [ الحجر : 4 ] أي : أَجَل .
رابعها : بمعي مُكَاتبة السيد عبده : ( وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ( [ النور : 33 ] وهذا المصدر " فِعَال " بمعنى " المُفَاعلة " كالجِدَال والخَصَام والقِتَال بمعنى : المُجَادلة والمُخَاصمة والمُقَاتلة .

يتبــــــــــــع

المصدر: شبكة الفرسان للعوم الشرعية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
أبوجهاد
عضو ذهبى
عضو ذهبى


وسام التميز لونه طوبى
العمر : 47
الدولة : مصر الحبيبة
ذكر الجدي النمر
عدد المساهمات : 1133
نقاط : 2247
تاريخ الميلاد : 20/01/1963
تاريخ التسجيل : 24/01/2010
العمر : 53
العمل/الترفيه : طالب علم
تعاليق : رب اغفر لي ولوالدي والمؤمنين

مُساهمةموضوع: رد: اللباب في علوم الكتاب سورة البقرة ( متجدد )   السبت ديسمبر 04, 2010 7:07 pm

صفحة رقم 264 " "
والكتاب - هنا - المُرَاد به القرآن ، وله أسماء :
أحدها : الكِتَاب كما تقدم .
وثانيها : القُرْآن : ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً ( [ الزخرف : 3 ] ، ) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ( [ البقرة : 185 ] .
وثالثها : الفُرْقَان : ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ ( [ الفرقان : 1 ] .
ورابعها : الذِّكْر ، والتَّذْكِرَة ، والذِّكْرَى : ( وَهَ اذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ ( [ الأنبياء : 50 ] ، ) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ( [ الحاقة : 48 ] وقوله تعالى : ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( [ الذاريات : 55 ] .
وخامسها : التَّنْزِيل : ( وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( [ الشعراء : 192 ] .
وسادسها : الحديث : ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ( [ الزمر : 23 ] .
وسابعها : المَوْعِظَة : ( قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ( [ يونس : 57 ] .
وثامنها : الحُكْم ، والحِكْمَة ، والحَكِيم ، والمُحْكَم : ( وَكَذ الِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً ( [ الرعد : 37 ] ، ) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ( [ القمر : 5 ] ، ) يس اوَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ( [ يس : 1 - 2 ] ، ) كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ( [ هود : 1 ] .
وتاسعها : الشِّفَاء : ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ ( [ الإسراء : 82 ] .
وعاشرها : الهُدَى ، والهَادِي ) هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ( [ البقرة : 2 ] ، ) إِنَّ هَ اذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ( [ الإسراء : 9 ] ، ) قُرْآناً عَجَباً يَهْدِى إِلَى لرُّشْدِ ( [ الجن : 1 - 2 ] .
وذكروا له أسماء أُخَر منها :
" الصِّرَاط المستقيم ، والعِصْمَة ، والرَّحْمَة ، والرُّوح ، والقَصَص ، والبَيَان ، والتِّبْيَان ، والمُبِين ، والبَصَائر ، والفَصْلُ ، والنُّجُوم ، والمَثَاني ، والنّعْمَة ، والبُرْهَان ، والبَشِير ، والنَّذِير ، والقَيِّم ، والمُهَيْمِن ، والنور ، والحق ، والعزيز ، والكريم ، والعظيم ، والمبارك " .
قوله تعالى : ( لاَ رَيْبَ فِيهِ ) .
يجوز أن يكون خبراً كما تقدّم بيانه .
قال بعضهم : هو خبر بمعنى النّهي ، أي : لا ترتابوا فيه كقوله تعالى : ( فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ ( [ البقرة : 197 ] أي : لا ترفثوا ولا تفسقوا .
قرأ ابن كثير : " فِيهِ " بالإشباع في الوَصْلِ ، وكذلك كل هاء كناية قبلها ساكن يشبعها وصلاً ما لم يَلِهَا ساكن ، ثم إن كان السَّاكن قبل الهاء ياء يشبعها بالكسر ياء ، وإنْ
" " صفحة رقم 265 " "
كان غيرها يشبعها بالضم واواً ، ووافقه حفص في قوله : ( فِيهِ مُهَاناً ( [ الفرقان : 69 ] فأشبعه .
ويجوز أن تكون هذه الجملة في محلّ نصب على الحال ، والعامل فيه معنى الإشارة ، و " لا " نافية للجنس محمولة في العمل على نقيضها . " إنَّ " ، واسمها معرب ومبني :
فيبنى إذا كان مفرداً نكرة على ما كان ينصب به ، وسبب بنائه تضمنّه معنى الحرف ، وهو " من " الاسْتِغْرَاقِيَّة يدلّ عليه ظهورها في قول الشاعر : [ الطويل ]
106 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيْفِهِ
فَقَالَ إلاَ لاَ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى هِنْدِ
وقيل : بني لتركُّبه معها تركيب خمسةَ عَشَرَ ، وهو فاسد وبيانه في غير هذا الكتاب . وزعم الزَّجَّاج أن حركة " لاَ رَجُلَ " ونَحْوِه حركة إعراب ، وإنما حذف التنوين تخفيفاً ، ويدل على ذلك الرجوع إلى هذا الأصل كقوله : [ الوافر ]
107 - ألاَ رَجُلاً جَزَاهُ اللهُ خَيْراً
يَدُلُّ عَلَى مُحضصِّلَةٍ تَبِيتُ
ولا دليل له لأن التقدير : إَلاَ تَرَونَنِي رَجُلاً ؟
فإن لم يكن مفرداً - وأعني به المضاف والشبيه به - أُعْرِبَ نَصْباً نحو : طلا خيراً من زيد " ، ولا عمل لها في المعرفة ألبتة ، وأما نحو قوله : [ الطويل ] 108 - تُبَكِّي عَلَى زَيْدٍ ولاَ زَيْدَ مِثْلُهُ
بَرِيءٌ مِنَ الحُمَّى سَلِيمُ الجَوَانِحِ
" " صفحة رقم 266 " "
وقول الآخر : [ الوافر ]
109 - أَرَى الْحَاجَاتِ عَنْدَ أَبِي خُبَيْبٍ
نَكِدْنَ وَلاَ أُمَيَّةَ فِي البِلاَدِ
وقول الآخر : [ الرجز ]
110 - لاَ هَيْثَمَ اللَّيْلَةَ لِلْمَطِيِّ
وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام : " لا قُرَيْشَ بعد اليَوْمِ ، إذا هلك كِسْرَى ، فلا كسرى بَعْدَه " فمؤوَّل .
و " رَيْبَ " اسمها ، وخبرها يجوز أن يكون الجار والمجرور وهو " فيه " إلاّ أن بني " تميم " لا تكاد تذكر خبرها ، فالأولى أن يكون محذوفاً تقديره : لا ريب كائن ، ويكون الوَقْفُ على " ريب " حينئذ تامَّا ، وقد يحذف اسمها ويبقى خبرها ، قالوا : " لا عليك " أي : لا بأس عليك .
ومذهب سيبويه رحمه الله : أنها واسمها في مَحَلّ رفع بالابتداء ، ولا عمل لها في الخبر .
ومذهب الأخفش : أن اسمها في مَحَلّ رفع ، وهي عاملة في الخبر .
ولها أحكامٌ كثيرة ، وتقسيمات منتشرة مذكورة في كتب النحو .
" " صفحة رقم 267 " "
واعلم أن " لا " لفظ مُشْتَرَك بين النَّفي ، وهي فيه على قسمين :
قسم تنفي فيه الجنس فتعمل عمل إنَّ كما تقدم ، وقسم تنفي فيه الوحدة ، وتعمل حينئذ عمل " ليس " ، ولها قسم آخر ، وهو النهي والدُّعاء فتجزم فعلاً واحداً ، وقد تجيء زيادة كما تقدم في قوله : ( وَلاَ الضَّآلِّينَ ( [ الفاتحة : 7 ] .
و " الرَّيْب " : الشّك مع تهمة ؛ قال في ذلك : [ الخفيف ]
111 - لَيْسَ فِي الْحَقِّ يَا أُمَيْمَةُ رَيْبٌ
إِنَّمَا الرَّيْبُ مَا يَقُولُ الكَذُوبُ
وحقيقته على ما قال الزَّمخشري : " قلق النفس واضطرابها " .
ومنه الحديث : " دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما يُرِيبك " . ومنه أنه مَرّ بظبي خائفٍ فقال : " لاَ يُرِبهُ أَحَدق بشيءٍ " .
فليس قول من قال : " الرَّيب الشك مطلقاً " بجيّد ، بل هو أخصّ من الشَّك كما تقدم .
وقال بعضهم : في " الرّيب " ثلاثة معانٍ :
" " صفحة رقم 268 " "
أحدها : الشّك ؛ قال ابن الزِّبَعْرَى : [ الخفيف ]
112 - لَيْسَ فِي الحَقِّ يَا أُمَيْمَةُ رَيْبٌ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وثانيها : التُّهْمَةُ ؛ قال جميل بُثَيْنَةَ : [ الطويل ]
113 - بُثَيْنَةُ قَالَتْ يَا جَمِيلُ أَرَيْتَنِي
فَقُلْتُ : كِلاَنَا يَا بُثَيْنُ مُرِيبُ
وثالثها : الحاجات ؛ قال : [ الوافر ]
114 - قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ رَيْبٍ
وَخَيْبَرَ ثُمَّ أَجْمَعْنَا السُّيُوفَا
قال ابن الخطيب : الريب قريب من الشك ، وفيه زيادة ، كأنه ظن سوء ، كأنه ظن سوء ، تقول : رَابَني أمر فلان إذا ظننت به سوءاً .
فإن قيل : قد يستعمل الريب في قولهم : " ريب الدهر " و " ريب الزمان " أي : حوادثه ، قال تعالى : ( نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ( [ الطور : 30 ] ويستعمل أيضاً فيما يختلج في القلب من أسباب الغيظ ، كقول الشاعر : [ الوافر ]
115 - قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلُّ رَيْبٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلنا : هذا يرجعان إلى معنى الشك ، لأن من يخاف من ريب المنون محتمل ، فهو كالمشكوك فيه ، وكذلك ما اختلج بالقلب فهو غير متيقن ، فقوله تعالى : ( لاَ رَيْبَ فِيهِ ( المراد منه : نفي كونه مَظَنَّةً للريب بوجه من الوجوه ، والمقصود أنه لا شُبْهَة في صحته ،
" " صفحة رقم 269 " "
ولا في كونه من عند الله تعالى ولا في كونه معجزاً . ولو قلت : المراد لا ريب في كونه معجزاً على الخصوص كان أقرب لتأكيد هذا التأويل بقوله تعالى : ( وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ( [ البقرة : 23 ] .
فإن قيل : لم تأت ، قال ها هنا : " لاَ رَيْبَ فِيهِ " وفي موضع آخر : ( لاَ فِيهَا غَوْلٌ ( [ الصافات : 47 ] قلنا : لأنهم يقدمون الأهمّ ، وهاهنا الأهم نفي الريب بالكليّة عن الكتاب .
ولو قلت : " لا فيه ريب " لأَوْهَمَ أن هناك كتاباً آخر حصل فيه الريب لا ها هنا ، كما قصد في قوله تعالى ) لاَ فِيهَا غَوْلٌ ( تفضيل خمر الجنّة على خمر الدنيا ، بأنها لا تَغْتَال العقول كما تغتالها خمر الدنيا . فإن قيل : من أين يدلّ قوله : " لاَ رَيْبَ فِيهِ " على نفي الريب بالكلية ؟ قلنا القراءة المشهورة توجب ارتفاع الريب بالكلية ، والدّليل عليه أن قوله : " لا ريب " نفي لماهيّة الريب ؛ ونفي الماهية يقتضي نفي كل فرد من أفراد الماهية ؛ لأنه لو ثبت فرد من أفراد الماهيّة لثبتت الماهية ، وذلك مُنَاقض نفي الماهية ، ولهذا السّر كان قولنا : " لا إله إلا الله " نفياً لجميع الآلهة سوى الله تعالى .
وقرأ أبو الشعثاء : " لاَ رَيْبُ فِيهِ " بالرفع ، وهو نقيض لقولنا : " ريب فيه " ، وهذا يفيد ثبوت فرد واحدٍ ، وذلك النفي يوجب انتفاء جميع الأفراد ، فيتحقق التناقض .
والوقف على " فيه " هو المشهور .
وعن نافع وعاصم أنهما وَقَفَا على " ريب " ، ولا بد للواقف من أن ينوي خبراً ، ونظيره قوله : ( لاَ ضَيْرَ ( [ الشعراء : 50 ] وقول العرب : " لا بأس " .
واعلم أن الملحدة طعنوا فيه وقالوا : إن عني أنه لا شَكّ فيه عندنا ، فنحن قد نشك فيه ، وإن عني أنه لا شكّ فيه عنده فلا فائدة فيه . الجواب : [ المراد ] أنه بلغ في الوضوح إلى حيث لا ينبغي لمرتاب أن يرتاب
" " صفحة رقم 270 " "
فيه ، والأمر كذلك ؛ لأن العرب مع بلوغهم في الفَصَاحة إلى النهاية عجزوا عن معارضة أَقْصَرِ سورة من القرآن ، وذلك يشهد بأنه لقيت هذه الحُجَّة في الظهور إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه .
وقيل : في الجواب وجوه أخر :
أحدها : أن النفي كونه متعلقاً للريب ، المعنى : أنه منعه من الدلالة ، ما إن تأمله المُنْصِف المحق لم يرتب فيه ، ولا اعتبار بمن وجد فيه الريب ؛ لأنه لم ينظر فيه حَقّ النظر ، فريبه غير معتدّ به .
والثاني : أنه مخصوص ، والمعنى : لا ريب فيه عند المؤمنين .
والثالث : أنه خبر معناه النهي . والأول أحسن .
قوله تعالى : ( هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) . يجوز فيه عدة أوجه :
أحدها : أن يكون مبتدأ ، وخبره فيه متقدماً عليه إذا قلنا : إن خبر " لا " محذوف .
وإن قلنا : " فيه " خبرها ، كان خبره محذوفاً مدلولاً عليه بخبر " لا " ، تقديره : لا ريب فيه ، فيه هدى ، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر تقديره : هو هدى ، وأن يكون خبراً ثانياً ل " ذلك " ، على أن يكون " الكتاب " صفةً أو بدلاً ، أو بياناً ، و " لا ريب " خبر أول ، وأن يكون خبراً ثالثاً ل " ذلك " ، على أن يكون " الكتاب " خبراً أول ، و " لا ريب " ، خبراً ثانياً ، وأن يكون منصوباً على الحل من " ذلك " ، أو من " الكتاب " ، والعامل فيه على كلا التقديرين اسم الإشارة ، وأن يكون حالاً من الضَّمير في " فيه " ، والعامل ما في الجَارِّ والمجرور من معنى الفعْلٍ ، وجعله حالاًَ مما تقدم : إما على المُبَالغة ، كأنه نفس الهُدَى ، أو على حذف مضاف ، أي : ذا هُدَى ، أو على وقوع المصدر موقع اسم الفاعل ، وهكذا كلُّ مصدر وقع خبراً ، أو صفة ، أو حالاً فيه الأقوال الثلاثة ، أرجحها الأول .
وأجازوا أن يكون " فيه " صفةً ل " ريب " ، فيتعلّق بمحذوف ، وأن يكون متعلقاً ب " ريب " ، وفيه إشكال ؛ لأنه يصير مطولاً ، واسم " لا " إذا كان مطولاً أعرب إلاّ أن يكون مُرَادهم أنّه معمول لِمَا عليه " ريب " لا لنفس " ريب " .
وقد تقدّم معنى الهدى " عند قوله تبارك وتعالى : ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ( [ الفاتحة : 6 ] .
و " هُدّى " مصدر على وزن " فُعَل " فقالوا : ولم يجىء من هذا الوزن في المَصَادر إلا " سُرّى " و " بُكّى " و " هُدّى " ، وجاء غيرها ، وهو " لَقِيتُهُ لُقًى " ؛ قال الشَّاعر : [ الطويل ]
116 - وَقَدْ زَعَمُوا حُلْماً لُقَاكَ وَلَمْ أَزِدْ
بحَمْدِ الَّذي أَعْطَاكَ حِلْماً وَلاَ عَقْلا
" " صفحة رقم 271 " "
و " الهدى " فيه لغتان : التذكير ، ولم يذكر اللّحْياني غيره .
وقال الفراء : بعض بني أسد يؤنثه ، فيقولون : هذه هدى .
و " في " معناها الظرفية حقيقةً أو مجازاً ، نحو : " زيد في الدار " ، ) وَلَكُمْ فِى لْقِصَاصِ حَيَاةٌ ( [ البقرة : 179 ] ولها معان آخر :
المصاحبة : نحو : ( ادْخُلُواْ فِى أُمَمٍ ( [ الأعراف : 38 ] .
والتعليل : " إن امرأة النَّارِ في هِرَّةٍ " وموافقة " على " : ( وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ( [ طه : 71 ] [ أي : على جذوع ] ، والباء : ( يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ( [ الشورى : 11 ] أي بسببه .
والمقايسة نحو قوله تعالى : ( فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِى لآخِرَةِ ( [ التوبة : 38 ] .
و " الهاء " في " فيه " أصلها الضم كما تقدم من أن " هاء " الكناية أصلها الضم ، فإن تقدمها ياء ساكنة ، أو كسرة كسرها غري الحجازيين ، وقد قرأ حمزة : " لأَهْلِهُ امْكُثُوا " وحفص في : " عَاهَدَ عَلَيهُ الله " [ الفتح : 10 ] ، ) وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ( [ الكهف : 63 ] بلغه أهل الحِجَاز ، والمشهور فيها - إذا لم يلها ساكن وسكن ما قبلها نحو : " فيه " و " منه " - الاختلاس ، ويجوز الإشْبَاع ، وبه قرأ ابن كثير ، فإن تحرّك ما قبلها أُشْبِعَتْ ، وقد تختلس وتسكن ، وقرىء ببعض ذلك كما سيأتي مفصلاً إن شاء الله تعالى .
و " للمتقين " جارّ ومجرور متعلّق ب " هدى " .
وقيل : صفة ل " هدى " ، فيتعلّق بمحذوف ، ومحله حينئذ : إما الرفع أو النصب بحسب ما تقدم في موصوفه ، أي هدى كائن أو كائناً للمتقين .
والحسن من هذه الوجوه المتقدمة كلها أن تكون كل جملة مستقلّة بنفسها ، ف
" " صفحة رقم 272 " "
" الم " جملة إن قيل : إنها خبر مبتدأ مضمر ، و " ذلك الكتاب " جملة ، و " لا ريب " جملة ، و " فيه هدى " جملة ، وإنما ترك العاطف لشدّة الوصل ؛ لأن كلّ جملة متعلّقة بما قبلها آخذة بعنقها تعلقاً لا يجوز معه الفصل بالعطف .
قال الزمخشري : " وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة حيث جيء بها مُتَنَاسقة هكذا من غير حرف نسق . [ وذلك لمجيئها مُتَتَابعة بعضها بعنق ] بعض ، والثانية متحدة بالأولى ، وهلم جَرَّاً إلى الثالثة والرابعة .
بيانه : أنه نبّه أولاً على أنه الكلام المتحدي به ، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المَنْعُوت بنهاية الكَمَال ، فكان تقريراً لجهة التحدي . ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب ، فكان شهادة بكماله .
ثم أخبر عنه بأنه " هدى للمتقين " ، فقرر بذلك كونه يقيناً ، لا يحوم الشّك حوله ، ثم لم تَخْلُ كل واحدة من هذه الأربع بعد أن رتبت هذه الترتيب الأنيق [ من ] نُكْتَةٍ ذات جَزَالة : ففي الأولى الحذف ، والرمز إلى الغرض بألطف وجه .
وفي الثانية ما في التعريف من الفَخَامة . وفي الثانية ما في تقديم الريب على الظَّرف .
وفي الثالثة ما في تقديم " الريب " على الظرف .
وفي الرابعة الحذف ، ووضع المصدر الذي هو " هدى " موضع الوصف الذي هو " هاد " وإيراده منكراً .
" المتقين " جمع " مُتَّقٍ " ، وأصله : مُتَّقِيينَ بياءينِ ، الأولى : لام الكلمة ، والثانية علامة الجمع ، فاستثقلت الكسرة على لام الكلمة ، وهي الياء الأولى فحذفت ، فالتقى ساكنان ، فَحذف إحداهما وهي الأولى .
و " متقٍ " من اتقى يتّقي وهو مُفْتَعِل الوِقَايَةِ ، إلا أنه يطرد في الواو والياءلا إذا كانتا فاءين ، ووقعت بعدهما " تاء " الافتعال أن يبدلا " تاء " نحو : " اتَّعَدض " من الوَعْدِ ، و " اتَّسَرَ " من اليُسْرِ . وَفِعْلُ ذلك بالهمزة شاذ ، قالوا : " اتَّزَرَ " و " اتَّكَلَ " من الإِزَارِ ، والأَكْلِ .
و ل " افتعل " اثنا عشر معنى :
الاتِّخَاذ نحو : " اتقى " .
والتسبب نحو : " اعمل " .
وفعل الفاعل بنفسه نحو : " اضطرب " .
والتخير نحو : " انتخب " .
" " صفحة رقم 273 " "
والخطف نحو : " استلب " .
ومطاوعة " أَفْعَلَ " نحو : " انتصف " .
ومطاوعة " فَعَّلَ " نحو " عمّمته فاعتمّ .
وموافقة " تَفَاعَلَ " و " تَفَعَّلَ " و " اسْتَفْعَلَ " نحو : احتور واقتسم واعتصم ، بمعنى تحاور وتقَسَّم واستعصم .
وموافقة المجرد ، نحو " اقتدر " بمعنى : قَدَرَ .
والإغناء عنه نحو : " اسْتَلَم الحجر " ، لم يُلْفَظْ له بمجرد .
و " الوقاية " : فرط الصيانة ، وشدة الاحتراس من المكروه ، ومنه " فرس وَاقٍ " : إذا كان يقي حافِرهُ أدنى شيء يصيبه .
وقيل : هي في أصل اللَّغة قلّة الكلام .
وفي الحديث : " التَّقِيُّ مُلْجَمٌ " .
ومن الصيانة قوله : [ الكامل ]
117 - سَقَطَ النَّصِيفُ وَلَمْ تُرِدْ إِسْقَاطَهُ
فَتَنَاوَلَتْهُ وَاتَّقَتَا بِاليَدِ
وقال آخر : [ الطويل ]
118 - فَاَلْقَتْ قِنَاعً دُوُنَهُ الشَّمْسَ واتَّقَتْ
بِأَحْسَنِ مَوْصُولَيْنِ كَفَّ وَمِعْصَمِ
قال أبو العباس المقرىء : ورد لفظ " الهدى " في القرآن بإزاء ثلاثة عشر معنى :
الأول : بمعنى " البَيَان " قال تعالى : ( أؤلئك عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ( [ البقرة : 5 ] أي : على بيان ، ومثله ، ) وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( [ الشورى : 52 ] أي : لتبين ، وقوله تبارك وتعالى : ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ ( [ فصلت : 17 ] أي : بَيَّنَّا لهم .
الثاني : الهُدَى : دين الإسلام ، قال تعالى : ( قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى للَّهِ ( [ آل عمران : 73 ] أي : دين الحق هو دين الله .
وقوله : ( إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى ( [ الحج : 67 ] أي : دين الحق .
الثالث : بمعنى " المَعْرِفَة " قال تعالى : ( وَبِ النَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ( [ النحل : 16 ] أي : يعرفون ، وقوله تعالى : ( نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِى أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ ( [ النمل : 41 ] أي : أتعرف .
" " صفحة رقم 274 " "
الرابع : بمعنى " الرسول " قال تعالى : ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ( [ البقرة : 38 ] أي : رسول . الخامس : بمعنى " الرشاد " قال تعالى : ( وَاهْدِنَآ إِلَى سَوَآءِ الصِّرَاطِ ( [ ص : 22 ] أي أرشدنا .
وقوله : ( عَسَى رَبِّى أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السَّبِيلِ ( [ القصص : 22 ] .
وقوله تعالى : ( اهْدِنَا الصّرَاطَ ( [ الفاتحة : 6 ] .
السادس : بمعنى : " القرآن " قال تعالى : ( وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى ( [ النجم : 23 ] أي : القرآن .
السابع : بمعنى : بعثة النبي - ( صلى الله عليه وسلم ) - قال تبارك وتعالى : ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِى ( [ الشورى : 52 ] .
الثامن : بمعنى " شرح الصدور " قال تعالى : ( فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ( [ الأنعام : 125 ] .
التاسع : التوراة ، قال تبارك وتعالى : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى لْهُدَى ( [ غافر : 53 ] يعني : التوراة .
العاشر : " الجنة " قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ ( [ يونس : 9 ] أي : يدخلهم الجنة .
الحادي عشر : " حج البيت " قال تعالى : ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ( [ آل عمران : 96 ] أي الحج .
الثاني عشر : " التوبة " قال تعالى : ( وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ( [ يوسف : 52 ] أي : لا يصلح .
الثالث عشر : " التوبة " قال تعالى : ( إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ( [ الأعراف : 156 ] أي : تُبْنَا ورجعنا .
فصل في المقصود بالهدى
قال ابن الخطيب " رضي الله تعالى عنه " : الهُدَى عبارة عن الدلالة .
وقال صاحب " الكشاف " : الهدى هو الدلالة الموصّلة للبغية .
وقال آخرون : الهدى هو الاهتداء والعلم والدليل على صحة الأول أنه لو كان كونه الدلالة موصلة إلى البغية معتبراً في مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء ؛ لأن كون الدلالة موصلة إلى الاهتداء حال عدم الاهتداء مُحَال ، وقد ثبت
" " صفحة رقم 275 " "
الهدى على عدم حال الاهتداء قال الله تعالى : ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَ اسْتَحَبُّواْ الْعَمَى عَلَى لْهُدَى ( [ فصلت : 17 ] أثبت الهدى مع عدم الاهتداء . واحتج صاحب " الكشَّاف " بأمور ثلاثة :
[ أوّلها ] : وقوع الضلالة في مُقَابلة الهدى ، قال تعالى : ( أؤلئك الَّذِينَ اشْتَرُواْ الضَّلاَلَةَ بِ الْهُدَى ( [ البقرة : 16 ] ، وقال تعالى : ( قُلِ اللَّهُ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ( [ سبأ : 24 ] .
وثانيها : يقال : مهديّ في موضع المدح كالمهتدي ، فلو لم يكن من شرط الهدى كَوْن الدلالة موصلة إلى البغية لم يكن الوصف بكونه مهدياً مدحاً ؛ لاحتمال أنه هدي ، فلم يَهْتَدِ .
وثالثها : أن " اهتدى " مطاوع " هَدَى " يقال : هَدَيْتُه فَاهْتَدَى ، كما يقال : كسرته فانكسر ، وقطعته فانقطع ، فكنا أن الانكسار والانقطاع لَزِمَانِ للكسر والقطع ، وجب أن يكون الاهتداء من لوازم " الهدى " .
والجواب عن الأوَّلِ : أن الفرق بين الهدى والاهتداء معلوم بالضرورة ، فمقابل " الهدى " هو " الإضلال " ومقابل " الاهتداء " هو " الضلال " فجعل " الهدى " في مقابلة " الضلال " ممتنع . وعن الثاني : المنتفع بالهدى سمي مهدياً ؛ لأن الوسيلة إذا لم تُفْضِ إلى المقصود كانت نازلة منزلة المعدوم .
وعن الثالث : أن الائتمار مُطَاع الأمر يقال : أمرته فائتمر ، ولم يلزم منه أن يكون من شرط كونه أمراً حصول الائتمار ، وكذا لا يلزم من كونه هذه أن يكون مفضياً إلى الاهتداء ، على أنه معارض بقوله : هديته فلم يهتد . ومما يدل علة فساد قول من قال : الهدى هو العلم خاصة أن الله - تعالى - وصف القرآن بأنه هدى ، ولا شك أنه في نفسه ليس بعلم ، فدلّ على أن الهدى هو الدلالة لا الاهتداء والعلم .
فصل في اشتقاق المتقي
والمتقي في اللغة : اسم فاعل من قولهم : وقاه فاتَّقى ، والوقاية : فرط الصيانة .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : التقيّ : من يتقي الشّرْك والكبائر والفواحش ، وهو مأخوذ من الاتقاء ، وأصله : الحجز بين شيئين .
" " صفحة رقم 276 " "
وفي الحديث : " كان إذا احمَرَّ البأسُ اتَّقينا برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " .
أي : إذا اشتد الحَرْبُ جعلنا بيننا وبين العدو ، فكأن المتقي جعل الامتثال لأمر الله ، والاجتناب عما نَهَاهُ حاجزاً بينه وبين العذاب ، وقال عمر بن الخَطَّاب لكعب الأحبار : " حدثني عن التقوى ، فقال : هل أخذت طريقاً ذا شَوْكٍ ؟ قال : نعم ، قال : فما عملت فيه ؟ قال : حذرت وشَمّرت ، قال كعب : ذلك التَّقوى " . وقال عمر بن عبد العزيز : التقوى تَرْكُ ما حَرَّمَ الله ، وأداء ما افترض الله ، فما رزق الله بعد ذلك فهو خير إلى خير .
وقال ابن عمر : التَّقوَى ألا ترى نفسك خيراً من أحد .
إذا عرفت هذا فنقول : إن الله - تعالى - ذكرَ المتقي هاهنا في معرض المدح ، [ ولن يكون ذلك ] بان يكون متقياً فيما يتصل بالدّين ، وذلك بأن يكون آتياً بالعبادات ، محترزاً عن المحظورات . واختلفوا في أنه هل يدخل اجتناب الصَغائر في التقوى ؟ فقال بعضهم : يدخل كما تدخل الصّغائر في الوعيد .
وقال آخرون : لا يدخل ، ولا نزاع في وجوب التوبة عن الكُلّ ، إنما النزاع في أنه إذا لم يتوقّ الصغائر هل يستحق هذا الاسم ؟
فروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال : " لا يَبْلُغُ العَبْدُ درجة المتّقين حتى يَدَعَ ما لا بَأسَ به حَذَراً مما به بَأسُ " . وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنهم الذين يَحْذَرُون من الله العُقُوبَة في تَرْكِ ما يميل الهَوَى إليهن ويرجعون رحمته بالتَّصديق بما جاء منه .
واعلم أن حقيقة التقوى ، وإن كانت هي التي ذكرناها إلاَّ أنها قد جاءت في القرآن ، والغرض الأصلي منها الإيمان تارة ؛ كقوله تعالى : ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ( [ الفتح : 26 ] أي : التوحيد ) أؤلئك الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى ( [ الحجرات : 3 ] ، ) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ ( [ الشعراء : 11 ] أي : لا يؤمنون .
وتارة التوبة كقوله تبارك وتعالى : ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ ( [ الأعراف : 96 ] ، ) وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَ اتَّقُونِ ( [ المؤمنون : 52 ] .
" " صفحة رقم 277 " "
وتارة ترك المعصية كقوله تعالى : ( وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللَّهَ ( [ البقرة : 189 ] أي : فلا تعصوه .
وتارة الإخلاص كقوله : ( فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى لْقُلُوبِ ( [ الحج : 32 ] أي : من إخلاص القلوب .
وهاهنا سؤالات :
السؤال الأول : كون الشَّيء هدى ودليلاً لا يختلف بحسب شخص دون شخص فلماذا جعل القرآن هدى للمتَّقين فقط ؟ وأيضاً فالمتقي مهتدي ؟ والمهتدي لا يهتدي ثانياً ، والقرآن لا يكون هدى للمتقين ؟
والجواب : أن القرآن كما أنه هدى للمتقين ، ودلالة لهم على وجود الصانع ، وعلى صدق رسوله ، فهو أيضاً دلالة للكافرين ؛ إلا أن الله تبارك وتعالى ذكر المتقين مدحاً ليبين أنهم هم الذين اهتدوا ، وانتفعوا به كما قال : ( إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا ( [ النازعات : 45 ] وقال : ( إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ ( [ يس : 11 ] .
وقد كان عليه الصلاة والسلام منذراً لكلّ الناس ، فذكر هؤلاء الناس لأجل أن هؤلاء هُمُ الذين انتفعوا بإنذاره .
وأما من فسر الهُدَى بالدلالة الموصلة إلى المقصود ، فهذا السؤال زائل عنه ؛ لأن كونه القرآن موصلاً إلى المقصود ليس إلاَّ في حق المتقين .
السّؤال الثاني : كيف وصل القرآن كله بأنه هدى ، وفيه مجمل ومتشابه كثير ، ولولا دلالة العقل لما تميز المُحْكم عن المُتَشَابه ، فيكون الهدى في الحقيقة هو الدلالة العقلية لا القرآن ؟
ونقل عن علي بن أبي طالب أنه قال لابن عباس حيث بعثه رسولاً إلى الخوارج : لا تَحْتَجَّ عليهم بالقرآن ، فإنه خَصْمٌ ذو وجهين ، ولو كان هدى لما قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ذلك فيه ، ولأنا نرى جميع فرق الإسلام يحتجون به ، ونرى القرآن مملوءاً من آيات بعضها صريح في الجبر ، وبعضها صريح في القدر ؛ فلا يمكن التوفيق بينهما إلا بالتعسُّف الشديد ، فكيف يكون هدى ؟
الجواب : أن ذلك المُتَشَابه والمُجْمَل لما لم ينفك عما هو المراد على التعيين - وهو إما دلالة العقل ، أو دلالة السمع - صار كله هُدًى .
السؤال الثالث : كل ما يتوقَّف كون القرآن حُجّة على صحته لم يكن القرآن هدى فيه ، فإذا استحال كون القرآن هدى في معرفة ذات الله - تعالى - وصفاته ، وفي معرفة
" " صفحة رقم 278 " "
النبوة ، فلا شَكَّ أن هذه المَطَالب أشرفُ المطالب ، فإذا لم يكن القرآن هدى فيها ، فكيف جعله الله هدى على الإطلاق ؟
الجواب : ليس من شرط كونه هدى أن يكون هدى في كل شيء ، بل يكفي فيه أن يكون هدى في بعض الأشياء ، وذلك بأن يكون هدى في تعريف الشَّرَائع ، أو يكون هدى في تأكيد ما في العقول ، وهذه الآية من أَقْوَى الدلائل على أن المُطْلق لا يقتضي
" " صفحة رقم 279 " "
العموم ، فإن الله - تعالى - وصفة بكونه هُدًى من غير تقييد في اللَّفظ ، مع أنه يستحيل أن يكون هدى في إثبات الصَّانع ، وصفاته ، وإثبات النبوة ، فثبت أنّ المطلق لا يفيد العموم .
السّؤال الرابع : الهُدَى هو الذي بلغ في البيان والوضوح إلى حيث بين غيره ، والقرآن ليس كذلك ، فإن المفسّرين ما ذكروا آية إلاّ وذكروا فيها أقوالاً كثيرة متعارضة ، ويؤيد هذا قوله : ( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ( [ النحل : 44 ] .
وما يكون كذلك لا يكون مبيناً في نفسه ، فضلاً عن أن يكون مبيناً لغيره ، فكيف يكون هدى ؟ قلنا : من تكلم في التفسير بحيث يورد الأقوال المُتَعَارضة ، ولا يرجح واحداً منها على الباقي يتوجه عليه السؤال ، وأما من رجح واحداً على البواقي فلا يتوجّه عليه السؤال .
( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (
" الذين " يحتمل الرفع والنصب والجر ، والظاهر الجر ، وهو من ثلاثة أوجه :
" " صفحة رقم 280 " "
أظهرها : أنه نعت ل " المتقين " .
والثاني : بدل .
والثالث : عطف بيان .
وأما الرفع فمن وجهين :
أحدهما : أنه خبر مبتدأ محذوف على معنى القطع ، وقد تقدم .
والثاني : أنه مبتدأ ، وفي خبره قولان : أحدهما : " أولئك " الأولى .
والثاني : " أولئك " الثانية ، والواو زائدة ، وهذان القولان منكران ؛ لأنه قوله : " والذين يؤمنون " يمنع كونه " أولئك " الأولى خبراً أيضاً .
وقولهم : الواو زائدة لا يلتفت إليه .
والنصب على القطع .
و " يؤمنون " صلة وعائد .
قال الزمخشري : " فإذا كان موصولاً كان الوقف على " المتقين " حسناً غير تام ، وإذا كان منقطعاً كان واقفاً تاماً " .
وهو مضارع علامة رفعه " النون " ؛ لأنه أحد الأمثلة الخَمْسَةِ وهي عبارة عن كل فعل مضارع اتصل به " ألف " اثنين ، أو " واو " جمع ، أو " ياء " مخاطبة ، نحو : " يؤمنان - تؤمنان - يؤمنون - تؤمنون - تؤمنين " .
والمضارع معرب أبداً ، إلاّ أن يباشر نون توكيد أو إناث ، على تفصيل ياتي إن شاء الله - تعالى - في غُضُون هذا الكتاب .
وهو مضارع " أمن " بمعنى : صدق ، و " آمن " مأخوذ من " أمن " الثلاثي ، فالهمزة في " أمن " للصّيرورة نحو : " أعشب المكان " أي : صار ذا عُشْب .
أو لمطاوعة فعل نحو : " كبه فأكب " ، وإنما تعدى بالباء ، لنه ضمن معنى اعترف ، وقد يتعدّى باللام كقوله تعالى : ( وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ( [ يوسف : 17 ] ، ) فَمَآ آمَنَ لِمُوسَى ( يونس : 83 ] إلاَّ أن في ضمن التعدية باللام التّعدية بالباء ، فهذا فرق ما بين التعديتين . وأصل " يؤمنون " : " يؤأمنون " بهمزتين :
الأولى : همزة " أفْعَل " .
والثاني فاء الكلمة ، حذفت الولى ؛ لأن همزة " أفْعَل " تحذف بعد حرف المُضَارعة ، واسم فاعله ، ومفعوله نحو : طأكرم " و " يكرم " و " أنت مُكْرِم ، ومُكْرَم " .
وإنما حذفت ؛ لأنه في بعض المواضع تجتمع همزتان ، وذلك إذا كان حرف المُضّارعة همزة نحو : " أنا أكرم " ، الأصل : أأكرم بهمزتين ، الولى : للمضارعة والثانية : همزة أفعل ، فحذفت الثانية ؛ لأن بها حصل الثّقل ؛ ولأن حرف المضارعة أولى بالمحافظة عليه ، ثم حصل باقي الباب على ذلك طَرْداً للباب .
" " صفحة رقم 281 " "

يتبـــــــــــــــع


المصدر: شبكة الفرسان للعوم الشرعية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
نبيلة محمود خليل
مديرة موقع الرحمة والمغفرة
مديرة موقع الرحمة والمغفرة


عين تدمع
الدولة : مصر
انثى عدد المساهمات : 17147
نقاط : 26605
تاريخ التسجيل : 31/08/2009
العمل/الترفيه : مديرة موقع الرحمة والمغفرة
المزاج : الحمد الله
تعاليق : اللهم اجعلنا ممن يدعون الجنة من أبوابها كلها

مُساهمةموضوع: رد: اللباب في علوم الكتاب سورة البقرة ( متجدد )   السبت ديسمبر 04, 2010 7:15 pm

السلام عليكم ابو جهاد المتألق

كل الشكر والتقدير لك موضوعك قمة قرأت جزء منه وأن شاء الله هكمل الباقى

جزاك الله خيرا جعله الله فى موازين حسناتك


_________________

اللهم كما علمت آدم علمنا وكما فهمت سليمان فهمنا
اللهم كما أتيت داود وسليمان علماً علمنا
والحمد لله الذى فضلنا على كثير من خلقه تفضيلا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://almaghfera.ahlamontada.com
أبوجهاد
عضو ذهبى
عضو ذهبى


وسام التميز لونه طوبى
العمر : 47
الدولة : مصر الحبيبة
ذكر الجدي النمر
عدد المساهمات : 1133
نقاط : 2247
تاريخ الميلاد : 20/01/1963
تاريخ التسجيل : 24/01/2010
العمر : 53
العمل/الترفيه : طالب علم
تعاليق : رب اغفر لي ولوالدي والمؤمنين

مُساهمةموضوع: رد: اللباب في علوم الكتاب سورة البقرة ( متجدد )   الإثنين ديسمبر 06, 2010 4:58 pm


نبيلة محمود خليل
مديرة موقع الرحمة والمغفرة




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
اللباب في علوم الكتاب سورة البقرة ( متجدد )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
~ منتديات الرحمة والمغفرة ~ :: المنتدى الاسلامى :: القرآن الكريم والسيرة النبوية-
انتقل الى: